كلمة محمد بن راشد خلال حفل انتهاء موسم السباقات البريطانية للخيول

إنه لمن دواعي سروري أن تتاح لي هذه الفرصة للتحدث إليكم بهذه المناسبة، أتحدث إليكم بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن صاحب آل مكتوم الذي أرسل المهر "كنتري ريل" ليتدرب تحت راية جودولفين.
عندما أتيح لي شرف التحدث إليكم في حفل عشاء "جم كرك" الماضي، قمت بوضع تصور ألقيت من خلاله الضوء على السباقات البريطانية ، موضحاً المشكلات الخطيرة التي تمر بها هذه الرياضة، وأكدت أنه ما لم يتم إحداث تطوير ملحوظ على صناعة السباقات ووضع الحلول المناسبة للمشكلات المزمنة التي تعيشها هذه الصناعة، سوف تضطر عائلة آل مكتوم إلى تقليص نشاطها وتخفيض مساهمتها في السباقات البريطانية.
ففي العام 1997 حالفنا الحظ في الفوز بسباق "جمرك" مرة أخرى، ولا شك في أن هناك تطوراً ملحوظاً حالياً في صناعة السباقات، إلا أن هذه الصناعة لا تزال تحتاج إلى الكثير من التطوير.
سوف أوجه حديثي هذه الليلة إلى الملاك وإلى الآلاف ممن يعملون بالسباقات، وأؤلئك الذين ينتفعون منها وتشكل مصدر رزق أساسياً لهم، كما سألقي الضوء على عدد من القضايا المحورية التي تتطلب منا اتخاذ المزيد من الإجراءات الضرورية إزاءها.
لقد حالف عائلتي الحظ في المشاركة في هذه السباقات على مستوى واسع، والجدير بالذكر أنه بإمكاننا المشاركة بالحجم والكفاءة نفسيهما في أي مكان خارج حدود بريطانيا كيفما نشاء، في الوقت الذي يتعذر أن نتصرف بالحرية نفسها هنا، ويتعذر ذلك على الكثيرين، وانني اليوم أتحدث نيابة عن هؤلاء.
وأود أن أكرر ما سبق أن ذكرته بأننا إذا لم نلاحظ تقدماً ملموساً في تطوير صناعة السباقات في بريطانيا وإمكانية إحداث تغييرات في هذه الرياضة، فإننا سوف نقلص - وبشكل ملحوظ- حجم مساهماتنا ومشاركاتنا في السباقات البريطانية. وعندما لاحظنا في فترة ما بوادر تحسن وتطور في هذه الصناعة حافظنا على حضورنا هنا، على الرغم من أن ذلك التطور لم يكن بالمستوى والحجم الذين نأملهما.
وإن حضورنا هذا لا يعني بالضرورة أننا راضون عن مستوى السباقات البريطانية، وإننا إذ نشيد بالجهود التي يبذلها السيد "بيترسافيل" وتلك التي تبذلها هيئة السباقات البريطانية من أجل تحسين الظروف المالية لهذه الرياضة، فإننا نشير إلى أن هناك الكثير الذي يجب فعله لجعل هذه الرياضة أكثر نفعاً وازدهاراً في المستقبل.
قبل خمس سنوات ألقيت الضوء على المبالغ الضريبية الضخمة التي كانت تفرضها الحكومة البريطانية على رهانات السباقات، إذا ما قورنت بالدخل المتواضع الذي تحققه هذه الرهانات، وإنني الآن سعيد بالقرار الذي اتخذته الحكومة والقاضي بفرض الضرائب على إجمالي الأرباح التي تحققها الرهانات.
وقد نتج عن هذا الإجراء الحكومي المزيد من الفائدة وانتهى الأمر إلى نمو وتطور ملحوظين في صناعة الرهانات. وقد جاء ذلك انسجاماً مع رغبات الحكومة، التي بدأت تولي اهتماماً واضحاً لما تحققه مضامير السباقات، إذ بفضل هذه الخطوة والتسوية بين الحكومة وصناعة الرهانات تم الاتفاق على المسألة المتعلقة ببيع حقوق المعلومات والصور.
ويتم الآن دفع مبالغ مالية لا بأس بها، تدفع مباشرة إلى إدارات مضامير السباقات ، ونأمل أن ينعكس هذا النمو في نسبة الأرباح ايجابياً على ملاك الخيول، وعلى الذين يعتمدون بشكل أساسي على الجوائز المالية ، سواء كانوا مدربين أو فرساناً أو طواقم عاملين في الإسطبلات، أو من له ارتباط بهذه الصناعة.
وكما كان يبدو لي دائماً فإن الحكومة البريطانية والقائمين على الرهانات قد استفادوا الكثير من السباقات، لذلك آثارت الحكومة قضية الرهانات، وفي الوقت نفسه ضاعف القائمون على الرهانات قيمة مراهناتهم، وأصبحوا يحققون أرباحاً طائلة من هذه الرياضة، لذلك أصبح من الأولى أن يوفروا مبالغ أفضل لملاك الخيول.
إنني كلي أمل في ألا نصل إلى مرحلة تكون المبالغ التي تحققها السباقات غير مجزية، وإن لدي شعوراً، شأني شأن الكثيرين، بأن أصحاب المضامير يتصرفون بأنانية ضد مصالح هيئة سباقات الخيول البريطانية، وبالتالي ضد صناعة السباقات برمتها. نعم، إن أصحاب المضامير لهم الحق، كسائر الناس في الحصول على مردود مادي معقول لاستثماراتهم، وأن مضامير السباقات البريطانية التسعة والخمسين تسهم بشكل فاعل في بقاء واستمرارية هذه الرياضة، ولا يعني هذا ان تنأى هذه المضامير بنفسها عن ملاك الخيول، وتتصرف بمداخيل السباقات والرهانات لوحدها وكأن جميع العاملين في مجال هذه الرياضة لا دخل لهم.
هل تعتقد إدارات المضامير أنها بهذا الأسلوب الذي تنتهجه لديها القدرة على إدارة وتشغيل هذه الرياضة بعيداً عن الملاك وغيرهم، إنني أقول لكم إن الأمر لن يكون بهذه السهولة، وسوف يرتكب أصحاب المضامير خطأً فادحاً إذا ما حاولوا خوض غمار هذه التجربة بالعمل بعيداً عن الآخرين. آمل ألا ينتهي بهم المطاف الى المجازفة ومحاولة تجريب ما يدور بخلدهم، ويتسببوا في ضرر لا تحمد عقباه لأنفسهم وللسباقات.
يتعيَن على إدارات المضامير أن تعمل جنباً إلى جنب مع هيئة صناعة السباقات لتحسين وتطوير هذه الرياضة ككل. لقد ساءني موضوع الشكوى التي قدمتها رابطة إدارات المضامير إلى مكتب العدل التجاري البريطاني ضد القرار الذي اتخذته جمعية السباقات البريطانية، والقاضي بتحديد سقف الجوائز المالية التي يدفعها مديرو المضامير للملاك، وإذا عزمت إدارات المضامير على التعامل بهذه الطريقة في إدارة أعمالها في المستقبل، فلن يبقى لنا إلا القليل من الأمل في هذا الشأن.
وإنني أؤكد على أنه كلما اتخذت إدارات المضامير خطوات أسرع نحو العمل بما ينسجم مع صناعة السباقات، أصبح الحال أفضل. ويجب أن يبدي العقلاء من الناس حسن نيتهم في التعامل مع هذا الأمر وإدراك ما يترتب عليه من نتائج سيئة إذا لم يتم تسويته.
ومن أجل إيجاد حل عادل لهذا الموضوع، فإنه يتعين على المعنيين أن يلقوا بخلافاتهم الشخصية جانباً ويوحدوا ويكثفوا جهودهم لإعطاء الفرصة للسباقات البريطانية أن تستمر في تأدية ما قامت لأجله ولتحقيق طموحات محبيها.
وإذا استمرت بعض المضامير في تعنتها، بدل من أن تتعاون مع الملاك، أو إذا لم تتخذ الإجراءات المناسبة لرفع مستويات مداخيلها، فستكون عائلة آل مكتوم بالتعاون مع ملاك آخرين مضطرة لاتخاذ الإجراءات المناسبة، ولكن آمل ألا تصل الأمور لذلك.
إنه لمن الضروري أن تعمل المضامير وكل المعنيين بهذه الصناعة على رفع مستوى عوائد ملاك الخيول، وذلك برفع قيمة الجوائز السباقات، لأن دخل المدربين والفرسان وطواق الإسطبلات والكثيرين يعتمد عليها.
ومن السهل أيضاً تجاهل المطالب لتحسين مداخيل الملاك بتحسين الجوائز، بحجة أن النقود تذهب بالمحصلة إلى جيوب الملاك الأثرياء، وهذا أيضاً أمر خاطىء، فالنقطة الجوهرية هنا أن المدربين والفرسان وطاقم الاسطبلات هم الذين سيستفدون من المال والجوائز المالية بشكل مباشر، فهناك الكثيرين ممن تشكل لهم هذه الرياضة مصدر رزق لهم.
إنني أشعر بالحزن والإحباط عندما يفسر كلامنا عن ضرورة رفع قيمة الجوائز على أنه سعي من قبل ملاك الخيول الأثرياء لملء جيوبهم، لأن الحقيقة هي أن الذين يريدون زيادة الجوائز المالية يريدون ذلك لمصلحة الناس الذين هم الدعامة الحقيقية لهذه الصناعة.
يجب ألا يخامر أحد الشك في أن جوائز السباقات تعتبر عصب الحياة لصناعة السباقات، وعندما تتحسن قيمتها المالية ينعكس ذلك إيجابياً ليس على الملاك فقط، بل على العاملين جميعهم. إن هذه الأموال هي الرافد الأساس لعشرات الآلاف من العاملين في صناعة سباقات الخيل.
لنقل وبكل صراحة، إن حال الملاك في بريطانيا يدعو للرثاء، فالعائد الذي يحصلون عليه لا يغطي ماينفقونه وما يتكبدونه من تكلفة كبيرة في شراء الخيول وتربيتها وتدريبها. فإذا تم حساب هذه التكلفة مجتمعة سنستنتج بأن الملاك يخسرون مئات الملايين من الجنيهات كل عام.
ومما تبرزه الوثائق، أن نسبة العوائد التي يحصل عليها الملاك تجعل موقف السباقات البريطانية حرجاً، وقد يؤدي ذلك إلى تخفيض رتبة بريطانيا في جداول رابطة السباقات العالمية.
يترتب على ملاك الخيول، التزامات مالية كبيرة. وكما هو الوضع بالنسبة لنا، فان ملاك الخيول يدفعهم حبهم للفروسية الى استثمار الكثير من المال، وللأسف فإن الكثير من الملاك لا يستطيعون الاستمرار، وكل عام ينسحب بعض الملاك من هذه الرياضة، لما يواجهونه من نفقات تفوق طاقتهم. وإذا استمر الحال على ما هو عليه فسيجد عدد كبير من العاملين في هذه الصناعة أنفسهم بلا عمل أو على الأقل سيصبحون مهددين في رزقهم.
وأنا أتصور أننا يجب أن نوجه جل اهتمامنا للموضوع، وخاصة لارتباطه ارتباطاً وثيقاً بالعاملين في الاسطبلات، فأنا أشعر بالإحباط الشديد عندما أرى أن الحديث الجاري في السنوات الأخيرة في الصحف ووسائل الأعلام ينصب حول تمويل السباقات مع إغفال طواقم العاملين في الاسطبلات وحقوقهم.
ونسمع المزيد والمزيد من المدربين عن عزوف الموظفين الأكفاء عن العمل، وبأن أكبر المشكلات التي تواجههم تتمثل في مسألة توظيف خبرات جيدة. لماذا؟ لأنهم غالباً ما يحصلون على أجور منخفضة، ويظل أفق تطورهم محدوداً للغاية، وبرامج التقاعد والتأمين لن تفي بمتطلباتهم.
إن التجاهل المستمر للإنفاق على السباقات وجوائزها كما يجب، هو السبب الرئيسي في الوضع الراهن، وسوف يؤثر هذا التراخي وعدم التجاوب في العاملين بهذه الصناعة وفي سباقات الخيول البريطانية إذا لم يتم انتهاز الفرصة واتخاذ إجراءات إيجابية فعالة لتصحيح هذا الموقف بأسرع ما يمكن.
والحقيقة أن من يدعم صناعة السباقات، بالإضافة إلى الملاك، هم العاملون في الاسطبلات، الذين نغمطهم أجرهم، وهذا شيء غير مقبول أخلاقياً وإنسانياً.
إننا في جودولفين محظوظون بالفعل، فنحن قادرون على الدفع للموظفين بأكثر من النسب المقررة، فطواقمنا هي مفتاح النجاح، وهم الذين يصنعون الخيول المتميزة التي تحقق أفضل النتائج.
فمن دون العاملين المميزين، من المستحيل أن نحقق النتائج المرجوة، لذلك فإنني أرى أننا نحتاج إلى خطة إجرائية، تهدف إلى رفع مداخيل العاملين وتحسين ظروفهم وظروف الاسطبلات في بريطانيا.
إن الوقت مناسب لكي يتحدث قادة السباقات للعاملين في الإسطبلات مباشرة لعلاج المشكلة، ولتصبح الأولوية للقرارات المتعلقة بالعاملين وظروفهم، وعلى جمعية السباقات البريطانية وغيرها أن تلمس بنفسها مدى إيجابية مثل هذه القرارات على سباقات الخيول.
وركزت لكم هذه الليلة على تنظيم وتمويل السباقات، وأوضاع العاملين فيها، والمشكلات التي تواجههم، وكذلك مسألة الجوائز وقيمتها. وأظن أنه من المفيد أن نوسع نظرتنا لتشمل العالم أجمع، حتى نأخذ بعين الاعتبار كيف يمكن أن نشجع المزيد من الناس لمشاركتنا حبنا لهذه الرياضة الرائعة.
وعندما أذهب للمشاركة في بريطانيا دائماً أفاجأ بالجمهور والشرائح التي يمثلها من الشباب والعائلات. نريد توسيع رقعة المحبين لهذه الرياضة، ونريد جذب الشباب والعائلات. يجب أن يتم تعميم السباق على العامة.
إن مبادرة "اكتشاف عالم السباقات" خرجت بنتائج محبطة، لذا علينا مضاعفة جهودنا لتسويق هذة السباقات عن طريق خطة منطقية وطموحة.
لابد تعميم رياضتنا على كافة الشرائح من شباب وعائلات، ولابد من اتخاذ إجراء عاجل، فنحن نحتاج لجمهور جيد ونوع متميز من المتابعين خلال القرن الحادي والعشرين، وبذلك سيرتفع عدد الناس المحبين والمشجعين لهذه الرياضة.
لقد دأبت على متابعة السباقات البريطانية والمشاركة فيها منذ 25 عاماً، ولقد شهدت لحظاتٍ رائعة وأخرى مخيبة للآمال، هكذا هي طبيعة السباقات.
إن فريق جودولفين الآن يشكل محور طموحي، في البدء كان يعتقد الناس أنه لا يمكن إعداد خيول السباقات الكلاسيكية انطلاقاً من دبي، ولكن جودولفين أثبتت للجميع عكس ذلك. وسوف تنتقل جودولفين الآن إلى المرحلة المقبلة لتعزز مكانتها العالمية، ولتتفرد بهذه الصناعة على مستوى العالم، وتستمر في تحقيق أفضل النتائج عالمياً.
إن التحدي الشخصي بالنسبة لي للخمس وعشرين سنة المقبلة هو أن تصبح جودولفين في القمة، وأن تصبح عالمية بمعنى الكلمة، وألا يقتصر نشاطها على السباقات في بلد بعينه، سواء في بريطانيا أو في غيرها، على الرغم من أننا أحببنا السباقات هنا، وأنه لأمر حتمي أن تتراجع مشاركتنا في السباقات البريطانية شيئاً فشيئاً، لأن هدف جودولفين الأساس هو المنافسة عالمياً، مما يحدد نشاطاتنا على مستوى بريطانيا لمصلحة المنافسة الدولية التي لن تقل متعة وقوة.
وأتمنى أن يكون مستوى السباقات البريطانية لا يقل عن سواها، من أجل هؤلاء الذين يعملون في النواحي المتعددة لهذه الصناعة، ومن أجل هؤلاء الذين يحبون هذه الرياضة. أتمنى أن يرفع قادة هذه الرياضة مستواها، ويمهدوا الطريق للسباقات البريطانية نحو مستقبل زاهر مفعم بالحيوية والإثارة.
وشكراً.
الثلاثاء 10 ديسمبر 2002
