الشاعر

الشاعر

يعدُ الشعر النبطي معلماً بارزاً من معالم حياة سكان شبه الجزيرة العربية، منذ القرن العاشر الميلادي على الأقل، وقد تناقلته الأجيال على مر السنين حتى وصل إلينا بشكله الحالي، لذلك فإن المؤرخين لا يعرفون إلا القليل عنه من خلال بعض القصائد النبطية التي تناولت بعض الأحداث التاريخية.

ولقد انتشر الشعر النبطي بعد انتشار الإسلام، وبدأت الأمم من غير العرب تتعلم العربية، وأدى ذلك إلى شيوع اللحن وبروز اللهجات العامية، وأطلق العرب على الشعر الذي لا يسير وفقاً لمعيارية اللغة الفصحى، شعراً نبطياً، وسموا اللهجة التي يكتب بها هذا النوع من الشعر "بنت الرمال". وقد عرف الشعر النبطي في الأقطار العربية وفي الجزيرة العربية بشكل خاص، حيث يحظى الآن بانتشار واسع في دول الخليج العربي.

ويبرز الشعر النبطي إبداع أبناء منطقة الخليج العربي وقدرتهم الطبيعية على الابتكار، ويجسد ارتباطهم بالأرض وتجذر أصولهم فيها، وتسهم عناصر عدة في ترسيخ هذا النوع من الشعر، الذي يعتبر كنزاً أدبياً، نادراً ومتفرداً، لأبناء شبه الجزيرة العربية، وأهم هذه العناصر تركيبته ومحتواه، وأهميته الأدبية، ووظيفته الاجتماعية والقيمة التاريخية التي يجسدها.

وقد بدأ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نظم هذا النوع من الشعر منذ ان كان طالباً في المدرسة، ويذكر سموه أن والده المغفور له "بإذن الله" الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، والمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كانا مصدر إلهامه. كما تأثر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، خاصة في فترة شبابه، بعدد من أبرز شعراء الشعر الفصيح من أمثال المتنبي وأبي تمام والبحتري، حيث كان سموه، عندما يسافر مع والده، يحتفظ بدواوين هؤلاء الشعراء الكبار، ويداوم على القراءة طوال الرحلة، وقد ساهم هذا الاطلاع المبكر في تأصيل موهبته وإثراء المفردات عنده.

تجدر الإشارة إلى إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عندما بدأ ينشر شعره في الصحف، تجنب نشرها مذيلة باسمه الحقيقي، بل استخدم اسماً مستعاراً ليضمن أن يكون تقييم وتذوق القارئ لشعره حقيقيين، وليحكم القارئ عليه بكل صدق وإخلاص، لا أن يصدر حكمه تبعاً لمعرفة مسبقة بأن الشاعر ينتمي للعائلة الحاكمة.

وقد بدأت الشاعرة الإماراتية " فتاة العرب" بإرسال ردودٍ على قصائده تعبر فيها عن إعجابها بشعره مما شجع سموه حينها على إعطاء المزيد منه.

وبعد أن تأكد من حصول قصائده على التقييم الموضوعي الحقيقي، وبدأ القارئ يقبل على قراءة أبياتها بشغف، اظهر سموه اسمه الحقيقي، وانتشر شعره في أرجاء العالم العربي، والآن يعد سموه من ابرز شعراء النبط.

وقد أتاح الشعر النبطي لسمو الشيخ محمد بن راشد الفرصة للتعبير ولإبراز الجوانب الإبداعية والوجدانية الطبيعية لشخصيته،إذ بعض هذه الجوانب لا يظهر صداها في معترك الحياة السياسية.

ويبرز الشعر النبطي إبداع أبناء منطقة الخليج ويتناول شعر صاحب السمو الشيخ محمد موضوعات وأغراضاً متنوعة بدءا من المشاعر الرومانسية التي تنبعث من كلمات قصائده التي تخلد الحب المثالي الصادق. ولقد تجسد هذا المستوى من العواطف الرقيقة في أكثر من قصيدة، ويمكن أن نعتبر قصيدة "رمز الهوى" مثلاً ناصعاً لها. ويقترن السعي لدى سموه للوصول بعاطفة الحب إلى مستوى الكمال بعنصري الوفاءوالإخلاص كما يظهر جلياً في قصيدة "وعد".

وقد انعكس دوره السياسي في شعره المواكب للحدث والمتفاعل مع آلام الأمة، المستجيب لاستغاثتها وقد تمثل ذلك في القصيدة التي كتبها سموه، بعد ساعات قليلة من استشهاد محمد الدرة، الطفل الفلسطيني الذي طالته يد الغدر الإسرائيلية بدم بارد عند مفترق نتساريم في مدينة غزة، في الثلاثين من سبتمبر العام 2000، وقد تم تصوير حالة الاغتيال هذه ونشرها في جميع الصحف العالمية.

والحكمة تعتبر من أهم أغراض شعره، ولابد للمتذوق لشعر صاحب السمو الشيخ محمد من أن تأخذه العبارات والأبيات التي تصور الحياة بكل تناقضاتها وتعبر عن الإنسان وعلاقته بالوجود، يقول سموه في قصيدة "طال الغياب":

ما أغلى النهار ان الليالي تضدّه

لو كان ســـرمد ما أظنه بينطــــــاق

يْزَيِّد غلا اللؤلؤ صعوبه مكــــــدّه

لو هو رخيص ما يعلق في الأعناق

وفي "قصيدة الأقصى لنا عايد" يؤكد قيمة الحق المطلقة، وضرورة الإيمان بشرعيته:

ايْفــوز من يصمـــدا

وعــن حَقَّه يْجاهــــــِد

والشعر لدى سموه موقف ينبع من التفاعل مع الحدث، وليس مجرد معاناة شخصية بعيدة عن مشاعر الناس فهو يؤكد دائماً:" إن الموضوع الأقرب إلى قلبي هو الذي يكون قريباً من قلب القارئ"، فقد كتب صاحب السمو الشيخ محمد عدة قصائد في مقام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والمغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، مشيداً بقيادتهما الحكيمة لدولة الإمارات العربية المتحدة.

وتبرز في شعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عناصر الزمان والمكان، فهو يستشعر خفقات الصحراء وتبدل مواسمها وطبائعها، وتظل الصحراء قريبة من قلبه. ولقد ذكر أن الصحراء علمته الصبر والتحمل، وتتبدى ملامح هذه الخصال وصورها الشعرية في الكثير من قصائده، ويمكن اعتبار قصيدتي "عليهم صابر" و"ياما صبرت" مثالين على ذلك.

وكان البحر دائماً من أهم مصادر إلهامه وقد صوره في قصائده وحمله رموزاً عديدة.

لنتمعن في هذا البيت من قصيدة "شوف تأثيرك":

موجكم طامي وانا بلجه غريج

في بحور موجها غزر العموق

وتنعكس تأثيرات الحياة البرية في شعر سموه بجلاء، وفي كثير من الأحيان يحتاج القارئ إلى دراية بأحوال هذه الحياة حتى يتسنى له إدراك جمال الصور والمعاني، فسموه لا يكتفي باستخدام الرموز للتشبيه البليغ، بل يتعدى ذلك لوصف أحوالها ضمن صور مركبة تصور انفعالاتها وردات فعلها نحو ما يحدق بها من أخطار، انظر إلى وصفه وتشبيهه (بالغزال) في قصيدة "مسير العاشقين":

من أشكال الوضيحي ما خذنّـــا

تخزّ وذيّروها القانصينـــا

ويستعير الحِر كرمز لجمال العيون غير العادي:

"وعينه مثل عين الحر لاكحل"من قصيدة عليهم صابرٍ

وكذلك كرمزٍ للقوة والشجاعة، كما في قصيدة بحر الرياض:

انت ياحر تعود الانقضاض

صايده دايم اذا اومى دمى

وفي سعيه لنشر الاهتمام بالشعر النبطي، الذي هو جزء مهم من ثقافة وتراث هذه الأمة، شارك سموه في مطارحات شعرية مع عدد من الشعراء البارزين في منطقة الخليج العربي، من أهمهم الشاعر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشاعر الأمير السعودي خالد بن فيصل.

ومن المعروف، أنه في مثل هذه المطارحات يرد الشعراء على بعضهم شعراً، كتابة أو شفاهه، ويكون معظم شعرهم من إبداع اللحظة. ويشير صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى أن هذا الفن الشعري يلاقي الكثير من الترحيب والتقدير من الجمهور، لأنه يثير روح المنافسة ويذكي الطاقة الإبداعية لدى الشعراء، ويضيف سموه بأن هذه المنافسات تشجع الشعراء على التواصل فيما بينهم، كما سعى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى حث وتشجيع الآخرين على نظم الشعر النبطي، وذلك من خلال اللغز الذي يطرحه سموه.

واللغز عبارة عن قصيدة تتناول أبياتها كثيراً من الأسئلة، ويختلف هذا النوع من الألغاز عن الألغاز في ثقافات دول العالم الأخرى، والتي عادة ما تتألف ألغازها من سطر واحد، فالرد على اللغز الذي يطرحه صاحب السمو الشيخ محمد يجب أن يكون شعراً ويتبع نفس القافية والأسلوب، إضافة إلى تشابه الكلمات، وقد رصد سموه جائزة سخية لكل من يتمكن من الرد على هذا اللغز، وقد تجاوب الكثيرون مع الفكرة وتم تلقي الكثير من الردود على ألغاز سموه من جميع أرجاء الوطن العربي، ولقد بلغ عدد الردود على اللغز الخامس نحو 12000 رد لشعراء من جميع أقطار العالم العربي.

لقد نظم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الكثير من روائع القصائد النبطية، ولا يزال يكتب كلما يسنح وقت سموه، وسنبقى ننظر إليه ليس كقائد ذي رؤية ثاقبة وفارس ذي إنجازات عظيمة فحسب، وإنما أيضا كعميد للثقافة والتراث.

وَنَظْمُ الشعر عند صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لا يقتصر على النبطي منه، بل يتعداه إلى الفصيح، ولكن ليس بتلك الغزارة التي نلحظها في شعره النبطي.

فالقارئ لشعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يقف مشدوهاً أمام قصيدته الفصيحة "اللغة الخالدة"، التي يعالج فيها محاور أساسية في لغتنا العربية وهويتنا الوطنية، والتي قالها في أواخر العام 2007.

مناسبات