الشيخ محمد بن راشد قائداً ومعلماً ومؤرخاً وشاعراً
لا أعرف كيف أبدأ عندما أتحدث عن فارس عروبي مثل سموّه، فسموّه كالبحر غلاب من جميع نواحيه، ولا أدري بمَ أعجب إذا تحدثت عنه، هل بطموحاته وأحلامه الكبيرة، أم بقوة ذاكرته وقراءته للمستقبل، أم بتعدد مواهبه وهواياته وإبداعاته، أم بشفافيته وقدرته وشجاعته على سرد الحقائق كما هي؟
* الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لا شك أنه يبقى في ذاكرتي وذاكرة كل إنسان عملاقاً في القول والفعل، لا يستطيع أحد أن يجاريه في مغامراته وتحديه وإصراره، ولا في تفاؤله واستراتيجياته وأفكاره، ولا في سياسته وفطنته وأشعاره.
* قل لي هل رأيت حاكماً مثله جمع بين دفة السياسة والاقتصاد، وبين دفة الرياضة والشعر والأدب؟
ثم قل لي هل رأيت حاكماً وقف أمام شعبه موقف المعلم والموجه والمؤرخ، ليسرد التاريخ وقصص البطولات نثراً ونظماً، ويلقي محاضرته عن ظهر قلب واقفاً أمام الكاميرا لمدة ساعتين؟
* نعم... رأيته في اليوم الأول من ديسمبر من عام 2011، وفي قاعة راشد المكتظة بأكثر من 2000 شخص من الأكاديميين والشعراء والأدباء ورجال الفكر والإعلام والصحافة. رأيته وقد وقف واستوقف، وكانت الأنظار مشدودة إليه، وكم كانت الأعين وعدسات الكاميرات في تنافس بينها، فكل منها تحاول أن تتتبع خطواته قبل الأخرى، وهو يمرّ أمام الحضور، ويتنقل ذات اليمين وذات الشمال.
الشيخ محمد بن راشد القائد المعلم والمحاضر المؤرخ، يمسح غبار التاريخ المكتوب غير الدقيق، عن وجه دولة الإمارات، لتتضح الحقيقة للباحث عن الحقيقة.
* تأمل في محاضرته القيمة، ثم انظر كيف تحدث عن اجتماع الشيخين زايد وراشد في عرقوب السديرة وليس السميح المذكورة في المراجع التاريخية المكتوبة عندنا.
* ثم انظر إلى ما قال عن البصمة الوراثية، ويقصد إصرار الآباء والأجداد في الجزيرة العربية ومواجهتهم للتحديات الصعبة منذ فجر الإسلام، ولولا التحدي لما وصلوا بالإسلام إلى الصين.
* وجميل هذا الاستخدام من الشيخ محمد بن راشد، عندما شبّه تحدي الأجداد وإصرارهم بالبصمة الوراثية، فهو يقرّب المعنى إلى جيل الشباب الذين يشهدون عصر البصمة الوراثية، وما شهدوا انتصارات أجدادهم في الماضي البعيد، والمحفورة في ذاكرة التاريخ.
أجل... فلابد لجيل الشباب أن يقرأوا التاريخ جيداً إن لم يشهدوا مواقعه على الطبيعة، فالشاعر العربي يقول:
ليس بإنسان ولا عالم
من لم يعِ التاريخ في صدره
ومن وعى أخبار من قد مضى
أضاف أعماراً إلى عمره
نعم... وتحدث بعد ذلك عن المغرّرين والمغرر بهم، وتحدث عن الذين وقفوا في وجه الاتحاد من العرب ومن الأجانب، وخاصة بريطانيا التي سمّاها سموه دولة الحماية.
* كنت أستمتع بكل ما يقوله سموه، لأنني أسمعها لأول مرة، وكنت أسمع همسات الحضور أيضاً، وهم يتخافتون قائلين: هذا الحدث نسمعه لأول مرة، ولماذا ما كتب وما نقرؤه غير هذا؟ وكيف سمح ليكتب عن المنطقة غير هذا الذي نسمعه اليوم من سموه؟ ولماذا اختار سموه هذا الوقت لينفض الغبار عن هذه الحقائق التاريخية؟
* كنت أسمعهم يتهامسون بتلك التساؤلات، وكنت أقول في نفسي: إذا استمرت أوضاع الدول العربية على ما نراها اليوم، فسوف يكشف سموه عن أشياء كثيرة، تحتاج إلى التصحيح، فنحن اليوم أمام جبال من تراكمات التاريخ المشوهة، وليست عراقيب فقط أو ليست سديرة فقط.
* وبما أن سموه كان يعلم أنه سوف يلقي على الحضور قولاً ثقيلاً، لم يسمعوه من قبل فإنه مزج السياسة بالأدب والشعر، فكان ينشّط أسماعهم بقصائد سياسية تارة، وقصائد وطنية تارة، وقصائد غزلية تارة أخرى، كيف وأكثر من نصف الحضور من النواعم، وكلنا كنا آذاناً مصغية لقصائده، لاسيما قصيدته "مطايب" التي بلغت أبياتها المئة، وهذه القصيدة أعدّها من غرر قصائد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لأنها وحدها ملحمة غزلية كبرى.
ألقى سموه ثلاث قصائد نبطية: "مطايب" و"الشعب والقائد"، و"عزم الشباب"، وفي كل منها تميز الشاعر باللفظ الرصين والمعنى الجيد، وأجمل من ذلك كله أنه كان يستخدمها كترويحات بين الفقرات التي لم تخلُ من مواقف متضادة أو متناقضة، وكان يُحسن الدخول فيها والخروج منها.
* إن حديث الشيخ محمد بن راشد في يوم روح الاتحاد، كان رسالة موجهة إلى الشباب، جيل المستقبل، ولم يكن حديثاً عابراً، لأنه تحدث عن أربعينية الاتحاد، والأربعون كما قال سموه، سن النضوج لأصحاب الرسالات السماوية كالأنبياء، وكذلك لأصحاب الرسالات الأرضية كقيادتنا الرشيدة ودولتنا الاتحادية المجيدة.
* وقف سموه مؤرخاً المسيرة الاتحادية أمام جيل الشباب، وهم أهم إنجازات الاتحاد، يذكّرهم بالمصاعب التي واجهها الشيخان: زايد وراشد في البدايات، فمن اتحاد ثنائي إلى تساعي ثم إلى سباعي ثم إلى مجلس التعاون الخليجي الذي رأى النور على أرض أبوظبي أيضاً.
* وقف سموه يملي تلك الحقائق ويروي تلك القصص، معتمداً على ما شاهده بعينه وسمعه بأذنه، وحضره بجسمه، فهو الذي حضر 18 لقاء من لقاءات مجلس حكام الإمارات قبل قيام الاتحاد، وحضر لقاء زايد وراشد في عرقوب السديرة، ولايزال يتذكر تلك الخيم الثلاث في البر بعيداً عن ضجيج الشوارع العامة.
* وللتوثيق وزيادة التحقيق والتثبيت، قال سموه إنه كان يصب القهوة لزايد وراشد، وأراد بذلك أن يعلّم جيل الأبناء كيف يتعاملون مع الآباء الأكبر منهم سناً وعلماً ومنزلة.
* ويشير إلى جانب آخر وهو أن الشيخ زايد والشيخ راشد، رحمهما الله تعالى، منذ ذلك اليوم المبكر، كانا يتفرسان في الشيخ محمد بن راشد النبل والحنكة والشجاعة والسمات القيادية.
* فها هو اليوم يقف شامخاً كبرج خليفة مدافعاً عن تاريخ بني ياس، وبالتحديد آلبوفلاح وآلبوفلاسة اللذين ينحدر منهما آل نهيان الكرام وآل مكتوم الكرام، وهذان الآن بينهما قرابة نسب ومصاهرة، وما أجمل قصائد (فزّاع) سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، عندما يتحدث عن هذه القرابة النسبية بين دبي وأبوظبي.
* على كل حال فالمقال لا يتسع لكل ما أستنتجه أنا من هذه المحاضرة التي أرشحها لتكون جزءاً من مادة التاريخ التي تدرّس في مدارسنا وجامعاتنا، وما أشار إليه سموه في محاضرته ما هو إلا إضاءات في طريقنا نحن أبناء الإمارات، فلنفطن نحن رجالاً ونساء إلى أن:
1- يجب أن نذكر التاريخ لأبنائنا على حقيقته، وإلا فلابد أن يأتي من يكشفه يوماً ما على حقيقته.
2- يجب أن يكتب تاريخ الإمارات أبناء الإمارات، وقديماً قالوا في الأمثال: "أهل مكة أدرى بشعابها".
3- يجب الاعتماد على الشباب، وهذا هو ما أراده زايد، رحمه الله تعالى، منا عندما اهتم بالإنسان أولاً، واعتبره هو الثروة الحقيقية، أما النفط فهو وسيلة كما قال الشيخ محمد بن راشد في محاضرته.
4- يجب أن نعترف بفضل زايد وراشد على الاتحاد، فلولا الله ثم زايد وراشد لما قام الاتحاد، بدليل أنه تعثر أكثر من مرّة، وفي كل مرة كان إصرار الرجلين يقيمه.
5- يجب على أبناء الإمارات ألا يصغوا إلى ما يملى عليهم من الخارج، فكم من كلمات وأصوات جوفاء أطلقت في أثناء تشكل الاتحاد، أرادت أن تغرر بأبناء المنطقة كما قال سموه، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره، ويمكن أن يتكرر هذا في كل زمان، لكن اللبيب من اتعظ بغيره.
6- كان الشيخ زايد بن سلطان، رحمه الله تعالى، وطنياً بلا حدود ومحباً للخير للجميع، بدليل أنه سعى إلى اتحاد وسيع ليشمل الإمارات وقطر والبحرين آنذاك، لكن اختلافات الآخرين في وجهات النظر وتوزيع الأدوار والمناصب والمراكز، حالت بينه وبين إقامة اتحاد تساعي.
7- اتحاد الإمارات لم يُفرض على أهل الإمارات، بل كان ضرورة ورغبة صادقة منهم، وواقعاً حقيقياً لا بديل عنه، بدليل أن رأس الخيمة تأخرت في الانضمام لأشهر في البداية، وفي النهاية لم يكن لها بدّ سوى الالتحاق بسفينة النجاة.
بقلم: عارف الشيخ
المصدر: الخليج
